عماد الدين خليل

60

المستشرقون والسيرة النبوية

لكن وات يشكّ في أنها كانت بالعنف الذي تشير إليه المصادر ، وينفي أن تكون ( بالشدة ) التي يعرفها الناس جيلا بعد جيل . . ويثير الشكّ حول ما يعدّه مبالغة في تصوير الموقف . . ويسعى لوضع لمساته على الوقائع كي تميل أكثر إلى الاعتدال ، فهو يقول : « لا شك أن المصادر حين تتحدث عن فتنة المسلمين إنما تشير لمثل أعمال أبي جهل ، وهي ليست مع ذلك فتنة قاسية ، يتأكد ذلك إذا ما فحصنا بدقة سير ابن هشام والطبري وابن سعد ، لأن ما يذكر فيها يتحدّث بلا شك عن أفظع الشواهد . وكل شيء يدعو إلى إقناعنا بأن الاضطهاد كان خفيفا . ومن الممكن أن المبالغة في الاضطهاد نشأت من محاولة نفي تهمة الارتداد عن الدين عن شخص من الأشخاص . وتشهد الوثائق التي لدينا على مختلف مظاهر المعارضة المذكورة عن ابن إسحاق ؛ فقد شتم محمد وتعرض لإهانات بسيطة كان تجمع أوساخ جيرانه أمام منزله ، وربما زاد الإزعاج بعد وفاة أبي طالب . ومن الممكن أن يكون انخفاض رأسمال أبي بكر من 40000 درهم إلى 5000 بين اعتناق الإسلام والهجرة سببه الضغط الاقتصادي الذي كان يلوح به أبو جهل ، وليس شراء العبيد كما يقول ابن سعد ؛ لأن ثمن العبد لم يكن يتجاوز ال 400 درهم تقريبا ، وأشهر الأمثلة على التعذيب الجسدي ما نزل بالعبيد ؛ كبلال وعامر بن فهيرة ، كذلك رفض العاص بن وائل أن يسدد دينا للخباب بن الأرتّ ، ويمكن أن نذكر نوعا رابعا من الاضطهاد ؛ وهو الضغط الذي يقوم به الآباء والأعمام والإخوة على أفراد عائلاتهم أو قبائلهم » « 1 » . ويخلص ( وات ) إلى النتيجة التالية : « كان اضطهاد المسلمين إذن خفيفا ؛ لأن نظام الحماية في مكة - حماية القبائل لأفرادها - كان يمنع من أن يؤذى المسلم على يد فرد من قبيلة أخرى حتى لو كانت قبيلة المسلم لا تميل إلى

--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه ، ص 190 - 191 .